محمد كرد علي

341

خطط الشام

عما اجترحته في الماضي حسابا غير يسير ، وتكون حياتي في تهلكة ، فاعتذرت بأن على المقتبس مبلغا من الديون بسبب توقفه ثمانية أشهر وبيع مطبعته فقالوا إنهم يسددونها عني ففعلوا . وفي خلال ذلك جاء الشام أجد أساطين الاتحاديين « أحمد جمال باشا » قائدا للجيش الرابع ، وحثني على التعجيل بإصدار المقتبس ، وكان كلامه رجاء في الصورة الظاهرة ، وتهديدا في الحقيقة ، فبادرت إلى امتثال الأمر فأصدرته ، وبقيت سنة لا أكتب فيه إلا نادرا ، ويتولى أخي سياسته ، حتى تنبه جمال باشا للأمر وأرادني على كتابة مقالات افتتاحية باسمي ففعلت ، وكثيرا ما كانت أفكاري ترشح اضطرارا من أفكار القائد العام مباشرة أو بالواسطة ، فكانت إرادتي مسلوبة لتهديدي كل ساعة بنشر الحسابات القديمة مع الاتحاديين ، وفي أواخر السنة الأولى للحرب أرسلني جمال باشا مع البعثة العلمية من علماء الشام إلى الآستانة فچناق قلعة ، وأوعز إليّ بإنشاء رحلة هذه البعثة ، ووضع كتاب في رحلة أنور باشا ، وكيل القائد العام وناظر الحربية ، إلى الشام والحجاز . ففعلت مضطرا . وظهر هذان الكتابان الأول باسمي واسم ثلاثة من أرباب الصحف في الشام ، والثاني باسمي فقط . وهما من كتب الدعاية السمجة في الحرب الممقوتة . وفي هذه السنة أيضا أنشأت الدولة بإيعاز ألمانيا وترتيبها في مدينة دمشق جريدة يومية عربية أسمتها ( الشرق ) عهدت إليّ برئاسة تحريرها فوليته مدة ، واضطرني أحمد جمال باشا إلى رفع اسمي من جريدة المقتبس لتروج جريدة الشرق التي ظهرت إلى أواخر الحرب . وكانت جريدة ألمانية تركية بحتة يقصد بها الدعاية والتأثير في العالم العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة . ولما بدأت جيوش الحلفاء تتقدم في جنوبي الشام غادر أحمد جمال باشا البلاد ، فأرادني خلفه جمال باشا المرسيني أن أظل على ما كنت في جريدة الشرق فقلت له : « لم يستعبدني أحد في حياتي غير سلفك العالي ولا أريد أن أستعبد مرة أخرى » . وقصدت إلى الآستانة للتجارة فمانعني الاتحاديون هناك بإيعاز من أحمد جمال باشا ، ومنعوني من معاطاة أعمال لا أعرفها في الحقيقة . وبينا كنت أفاوضهم بذلك سقطت دمشق بأيدي الحلفاء ، وانقطعت الطريق بين الشام والآستانة ، فعدت إلى دمشق بعد ثلاثة أشهر